سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
مقدمة 14
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
الرحلة وأسبابها ، مبدؤها ومنتهاها : لم يكن رحالتنا المكي من أولئك الذين استهواهم حب الاستطلاع على المسالك والممالك فشد الرحال ، وركب الأهوال ، وجاب البلاد ليسجل مشاهداته الشخصية وملاحظاته الخاصة فيبين حدود الأقاليم وخططها وطبائع أهلها وخصائص تربتها ، باحثا ناقدا يتحرى التمحيص في ذلك السبيل شأن الجغرافيين الذين جابوا البلاد ، فإنهم وان اختلفت أهواؤهم والدواعي التي حدت بهم إلى ذلك ولكل منهم شأن إلا أنهم جميعا دونوا الأبعاد بين البلدان ووصفها وخصائصها من صناعة وزراعة وتجارة وقد لا يغفلون الإشارة إلى اخلاق الناس وعاداتهم وتقاليدهم وغير ذلك مما دونوه اعتمادا علي مشاهداتهم الخاصة في الغالب ، وان توسع بعضهم فدوّن ما سمعه من أفواه النقلة والرحلة عن البلاد التي لم يطأ ثراها ولم تبلغه إليها الركائب . فان رحالتنا لم يكن كأولئك الجغرافيين ، بل إنه سجل مشاهداته الخاصة وملاحظاته الشخصية في البلاد التي ساقته إليها المقادير فدّون ما استهواه من نوادر وآثار ، ولم يستهدف من رحلته معرفة الأقاليم ولا مشاهدة المسالك والممالك ، لذلك كانت رحلته لا تشبه رحلات الرحالين في كثير من النواحي . اما الأسباب التي حدت به إلى تلك الرحلة والتي استدامت ردحا من الزمن فقد أوضحها في مقدمة كتابنا هذا - النزهة - ويجمل بنا الإشارة إلى بعض تلك الأسباب ، ولعل أقواها وأبلغها اثرا هو الضغط المادي الذي كان يعانيه حتى اضطره إلي الاعلان به تبريرا لهجرة وطنه ومسقط رأسه ومهبط آبائه مستشهدا لذلك بأحاديث وآثار ، واخبار واشعار كلها تبيح لأمثاله هجر الوطن مع الذل والغربة مع العز ، ولم يقصد بالذل الذي سامه الزمان به إلا الضائقة المالية التي كان